بين المقاطعة والمشاركة: تحولات المعارضة الجزائرية في زمن أزمة الثقة السياسية

ما الذي استجد في الجزائر حتى دفَع نخباً سياسية وقوى حزبية، كانت إلى عهد قريب ترى في المسار الانتخابي واجهةً لإعادة إنتاج السلطة لا أداةً للتداول السياسي، إلى مراجعة موقفها والعودة إلى خوض الانتخابات التشريعية المقبلة؟ قد يبدو السؤال متأخرا زمنيا بعد انقضاء آجال الترشح، غير أنه يظل مدخلا ضرورياً لفهم التحولات العميقة التي أصابت المشهد السياسي الجزائري، بعيدا عن القراءات المتعجلة التي تختزل كل مراجعة سياسية في قاموس الانتهازية والمصالح الضيقة.
لقد اعتادت الحياة السياسية في الجزائر، منذ سنوات، على مقاربة تبسيطية تجرد المعارضة من حقها الطبيعي في التبدل والمراجعة. فالمعارض، في المخيال السياسي السائد، مطالب بأن يظل أسير موقفه الأول، مهما تبدلت الوقائع وتغيرت الشروط. وإذا ما اختار المقاطعة اتّهم بالعدمية والهروب من المواجهة، وإذا قرر المشاركة وُصم بالارتماء في أحضان السلطة والسعي وراء الامتيازات. وهكذا، لم يكن الخلاف الحقيقي حول طبيعة الخيارات السياسية، بقدر ما كان رفضاً مزمناً لفكرة المعارضة ذاتها، بوصفها ضرورةً صحية في أي نظام سياسي يفترض أنه يسعى إلى الحد الأدنى من التعددية.
خلال السنوات الماضية، تعرضت القوى المعارضة في الجزائر إلى عملية استنزاف منهجية، ليس فقط عبر التضييق السياسي والإعلامي، بل أيضاً عبر حملات متواصلة لتشويه خطابها وتحويله إلى مادة للسخرية والاتهام. لقد جرى التعامل مع كل موقف مخالف باعتباره خروجاً عن “الإجماع”، لا بوصفه اجتهادا سياسيا مشروعا. وفي ظل هذا المناخ، لم يكن غريبا أن تتحول المعارضة إلى كيان محاصر، تقاس مواقفه دائما بمعيار الولاء لا بمعيار الفاعلية أو الرؤية.
غير أن السياسة، بطبيعتها، ليست عقيدة جامدة، بل فنّ التعامل مع الممكن ضمن شروط متحركة. ولذلك فإن مراجعة بعض القوى المعارضة لموقف المقاطعة لا يمكن قراءتها خارج التحولات التي عرفتها البلاد منذ الحراك الشعبي، وما تلاه من إعادة تشكيل لموازين القوى، وتقلصٍ تدريجي لمساحات الفعل السياسي خارج المؤسسات. فحين تضيق الشوارع وتُحاصر المنابر، يصبح الحفاظ على موطئ قدم داخل المؤسسات، مهما كانت محدودة الصلاحيات، جزءاً من معركة البقاء السياسي لا تعبيراً بالضرورة عن الاقتناع الكامل بجدوى تلك المؤسسات.
ثم إن المقاطعة، مهما حملت من رمزية احتجاجية، ليست مشروعا سياسيا قائما بذاته، كما أن المشاركة ليست شهادة تزكية للنظام. كلاهما مجرد أداة تخضع لحسابات المرحلة وسياقاتها. فالبرلمان، حتى في أكثر صوره هشاشة، يظل ساحة من ساحات التدافع السياسي، ومنبرا يمكن من خلاله إبقاء الصوت المعارض حاضرا في المجال العام، بدل تركه حكرا على أحزاب الإدارة وشبكات الولاء التقليدية التي احتكرت المشهد لسنوات.
لكن الإشكال الأعمق الذي يتوارى خلف هذا الجدل كله، لا يتعلق بخيارات المعارضة بقدر ما يتعلق بأزمة الثقة التي تفصل الجزائريين عن الحياة السياسية برمتها. فالعزوف الشعبي المتكرر عن الانتخابات لم يكن يوما موقفا من المعارضة وحدها، بل كان في جوهره تعبيرا عن قناعة واسعة بأن المؤسسات المنتخبة فقدت الكثير من معناها التمثيلي، وأنّ العملية السياسية تحولت، في نظر قطاعات واسعة من المجتمع، إلى طقس شكلي يعيد إنتاج التوازنات ذاتها دون أثر ملموس في حياة المواطنين.
من هنا، يبدو اختزال مشاركة بعض المعارضين في تهمة “الانتهازية” نوعا من الهروب الفكري من مواجهة الأسئلة الحقيقية التي تطرحها الجزائر اليوم كيف تآكلت الثقة بين المجتمع والدولة إلى هذا الحد؟ وكيف فقدت الانتخابات قدرتها على صناعة الأمل السياسي؟ ولماذا بات الجزائري يرى في البرلمان امتدادا للسلطة لا فضاءً لمحاسبتها؟ تلك هي الأسئلة التي تستحق النقاش، أما الاكتفاء بمحاكمة النيات فلن يكون سوى استمرار للعجز القديم عن فهم تعقيدات المشهد الجزائري وتحولاته.




