مركزية القرار وضعف المحاسبة بالجزائر.. لماذا تتكرر تعثرات المشاريع رغم تعهدات الإصلاح؟

لم يعد الجدل في الجزائر يدور حول غياب القوانين أو نقص الخطط، بل حول طبيعة إدارة تكرر إعلان الإصلاح بينما تؤجل نتائجه. فمنذ سنوات، ترفع السلطة شعار “الجزائر الجديدة” وتتعهد بترسيخ الشفافية والانتقال إلى ميزانية النتائج. غير أن مناقشات تسوية ميزانية 2023 داخل المجلس الشعبي الوطني أظهرت أن سياسات الحكم في الجزائر ما تزال أسيرة اختلال بنيوي بين التعهد والتطبيق.

الوقائع البرلمانية كانت صريحة. نواب من كتل مختلفة انتقدوا عدم احترام قاعدة “ن-1” المنصوص عليها في القانون العضوي 15/18، وطالبوا بتفعيل توصيات مجلس المحاسبة وعرض السياسة المالية سنويا أمام البرلمان. هذه المطالب لا تعكس اختلافا سياسيا عابرا، بل تشير إلى خلل في الامتثال للنصوص التي وضعتها السلطة نفسها. عندما يطالب المشرّعون الحكومة باحترام آجال قانونية واضحة، فإن ذلك يكشف أن الالتزام لم يتحقق بالقدر المعلن.

في المقابل، يواصل الخطاب الرسمي الحديث عن إصلاحات هيكلية ورقمنة شاملة وتحديث للجباية. لكن على الأرض، يشتكي المقاولون من تأخر مستحقاتهم، وتتأخر مشاريع استراتيجية، من بينها خط السكة الحديدية الرابط بين عين وسارة وبئر العاتر. هذه الوقائع لا يمكن فصلها عن نمط تسيير يركز على الإعلان السياسي أكثر من التركيز على الانضباط التنفيذي.

سياسات الحكم في الجزائر تقدم الاستقرار المالي باعتباره إنجازا مركزيا، مستندة إلى غياب المديونية الخارجية الثقيلة. غير أن نوابا حذروا من تنامي الدين الداخلي ومن غياب رؤية استشرافية تحمي التوازنات مستقبلا. هذا التحذير يضع الأداء المالي تحت مجهر مختلف: ليس فقط قدرة الدولة على الإنفاق، بل قدرتها على ضبط الأولويات وقياس الأثر الاجتماعي.

كما يبرز تناقض لافت في الإشادة المتكررة بصراحة رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، مقابل دعوات للوزراء إلى “الارتقاء” إلى المستوى ذاته من الوضوح. هذا التمييز الضمني يفصل بين قمة الهرم التنفيذي وبقية دوائره، ويطرح سؤالا حول مركزية القرار وآليات المحاسبة. فإذا كان الخطاب الرئاسي يؤكد الشفافية، فإن التطبيق القطاعي لا يعكس دائما هذه الصرامة.

الانتقال من “ميزانية الوسائل” إلى “ميزانية النتائج” ظل عنوانا متكررا في البيانات الرسمية. غير أن غياب مؤشرات أداء دقيقة منشورة للرأي العام، وتأخر تفعيل توصيات الهيئات الرقابية، يضعف صدقية هذا التحول. فالنتائج لا تُقاس بالشعارات، بل بعدد المشاريع المنجزة في آجالها، وبمدى تحسن الخدمات الصحية والتعليمية، وبحجم الاستثمار المنتج خارج قطاع المحروقات.

بهذا المعنى، تكشف تسوية ميزانية 2023 أن الأزمة ليست ظرفية، بل تتعلق بمنهج إدارة يراهن على الخطاب لتغطية بطء التنفيذ. سياسات الحكم في الجزائر تواجه اختبارا حاسما: إما تحويل النصوص إلى التزامات فعلية قابلة للقياس، أو استمرار فجوة تتسع بين الوعود والواقع، بما ينعكس مباشرة على ثقة المواطن في مؤسسات الدولة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى