اختفاء الخبير الاقتصادي جلول سلامة يفضح السلطة الاستبدادية لعبد المجيد تبون في الجزائر

في خطوة أثارت جدلًا واسعًا، اختفى الخبير الاقتصادي جلول سلامة منذ خمسة أيام، بعد أن أعرب عن شكوكه حول الجدوى الاقتصادية لمشروع منجم الحديد غار جبيلات، وهو المشروع الذي يروّج له الرئيس عبد المجيد تبون كركيزة لاستراتيجية السيادة الاقتصادية. ومن هنا يتضح أن مجرد تقديم نقد اقتصادي أصبح محفوفًا بالمخاطر، بل وتحويله إلى قضية سياسية.

سلامة، المهندس والدكتور في الاقتصاد، لم يكن معارضًا سياسيًا، ولا ناشطًا حقوقيًا، بل كان خبيرًا تقنيًا معروفًا بتحليلاته الاقتصادية الموثوقة في القنوات التلفزيونية المحلية. ومع ذلك، فإن ظهوره الأخير على قناة «الحياة تي في»، حيث ناقش المشكلات الاقتصادية لمشروع غار جبيلات، كان كافيًا لتصنيفه تهديدًا للنظام، وبالتالي تفعيل أدوات القمع ضده مباشرة.

خلال مداخلته، أشار سلامة إلى أن خام الحديد في غار جبيلات أقل جودة مقارنة بمناجم أخرى مثل منجم الونزة، كما كشف عن التحديات اللوجستية والتكاليف الضخمة، بما في ذلك بناء خط سكة حديدية بطول 950 كيلومترًا لربط المنجم بميناء وهران، وهو ما قد يكلف بين 3.5 و6 مليارات دولار. بالإضافة إلى ذلك، أضاف أن تكاليف التشغيل والتنقية والاستهلاك الهائل للطاقة ستضاعف الميزانية، ما يجعل العائد على الاستثمار محدودًا جدًا ويؤجل أي ربح محتمل حتى عام 2050. وبناءً على هذه التحليلات، يتبين أن المشروع غير قادر على تلبية الاحتياجات الاقتصادية العاجلة للجزائر.

وعلى الرغم من أن سلامة لم يدعُ يومًا للاحتجاج أو النقد السياسي، بل اكتفى بالتحليل الاقتصادي، فإن السلطات الجزائرية اعتقلته بشكل غير قانوني وفق تقارير تفيد بأنه محتجز لدى فرقة الأبحاث بباب الجديد بالعاصمة، بأمر مباشر من الرئيس تبون. ومن هذا المنظور، يظهر أن مجرد تقديم رأي مهني أصبح جريمة في ظل مناخ من الخوف والاستبداد.

ويعكس هذا الحدث تحولًا خطيرًا في سياسة الحكم بالجزائر، إذ لم يعد القمع يطال الصحفيين والمعارضين فقط، بل امتد ليشمل الخبراء والكفاءات العقلانية. وهذا التوجه يفضح منطق السلطة الذي يرفض أي نقاش نقدي، حتى لو كان بناءً، ويؤكد أن النظام يفضل الدعاية الرسمية على أي تحليل اقتصادي موضوعي.

علاوة على ذلك، قضية سلامة ليست حالة معزولة؛ فهي جزء من سلسلة إجراءات تستهدف كل من يجرؤ على النقد، سواء كانت الصحافة الوطنية أو وسائل الإعلام الدولية. من خلال هذه الممارسات، أصبح مفهوم «المعلومات الكاذبة» أداة قابلة للتوسع بلا حدود، مما يحوّل فعل الإخبار أو التحليل إلى مخاطرة كبيرة.

إن رسالة هذه القضية واضحة: في الجزائر، أصبح النقد الاقتصادي والعقلانية مرفوضين إذا تعارضا مع الرواية الرسمية. ومن خلال هذا السلوك، ترسخ الدولة مناخ الخوف، وتكبح حرية الرأي، وتحوّل الخبرة إلى تهديد.

اليوم، يواجه المجتمع الجزائري اختبارًا صعبًا: هل سيستمر النظام في إسكات الخبراء وتكميم الأفواه، أم سيسمح بممارسة النقد الموضوعي كجزء من حوار وطني ضروري لإصلاح الاقتصاد وبناء سيادة حقيقية؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى