مجلس الأمن يقلب الطاولة.. مقترح الحكم الذاتي المغربي ينتصر والجزائر تفقد نفوذها الإقليمي

تعيش السياسة الجزائرية لحظة فارقة اليوم. فمنذ أن طرحت واشنطن في الثاني والعشرين من أكتوبر مشروع قرار داخل مجلس الأمن يؤكد بشكل صريح أن الحل السياسي لنزاع الصحراء يمر عبر مقترح الحكم الذاتي المغربي، اهتزت أجندة الحكم في الجزائر. ومنذ ذلك التاريخ، بدأت الأسئلة تتفجر: لماذا يحدث هذا الآن؟ ومن يقود هذا التحول؟ وأين تقف الجزائر في هذه المواجهة؟ ثم، ما الذي سيترتب عن هذا التغيير إقليمياً وسياسياً؟

منذ البداية، ظهرت الإشارات واضحة. واشنطن تحدثت بوضوح عن “الحل الأكثر واقعية وقابلية للتطبيق”. وعوض أن تتعامل الجزائر مع هذا التطور بقراءة هادئة ومسؤولة، قفزت إلى تحركات مرتبكة. فقد راسلت البوليساريو الأمم المتحدة بمحاولة التفاف على القرار من خلال مقترح غير معلن، بينما بادر وزير الخارجية الجزائري إلى مكالمة متأخرة مع نظيره الصيني، في محاولة يائسة لجذب دعم خارجي قبل لحظة التصويت.

السياسة الجزائرية تحت ضغط الاختبار الدولي

التحركات لم تُترجم إلى نتائج حقيقية. لم ينعقد أي لقاء رفيع مع موسكو أو بكين، ولم تنجح الجزائر في إدراج مطالبها على مسودة القرار، خصوصاً ما يتعلق بتوسيع صلاحيات المينورسو لمراقبة حقوق الإنسان. وبهذا، انكشفت هشاشة الخطاب الرسمي الذي ظل يرفع شعار القوة الدبلوماسية والعلاقات الاستراتيجية.

عندما تكتفي دولة بحملات إعلامية وتصريحات مكررة بينما تتغير موازين القوة في مجلس الأمن، فإن ذلك يعكس اختلالاً عميقاً. اليوم يبدو أن الجزائر خسرت رهان الضغط على الولايات المتحدة، وخسرت أيضاً فرصة تفعيل الفيتو الروسي، ووجدت نفسها مجبرة على مواجهة واقع جديد تُفرض فيه قواعد اللعبة من خارج حدودها.

تحولات تفرض مراجعة داخلية عاجلة

القرار الأممي يعيد ترتيب المشهد. فمقترح الحكم الذاتي أصبح القاعدة التفاوضية الوحيدة، والاستفتاء خرج من المعادلة الدولية، رغم كل سنوات التعبئة الجزائرية. هذا التحول يطرح سؤالاً حرجاً: كيف ستتعامل الجزائر مع مرحلة تضعها أمام خيارين فقط؟ إما قبول مسار سياسي جديد، أو مواجهة عزلة دولية وتحديات أمنية متصاعدة، خاصة مع احتمال تصنيف البوليساريو كتنظيم إرهابي إذا رفضت الحل السياسي.

من جهة أخرى، يدرك المغرب أن الفوز الدبلوماسي لا يعفيه من تحديات بناء “حكم ذاتي حقيقي”. ومع ذلك، فإن الرباط تعرف مسارها وتسير فيه بشجاعة سياسية، بينما تبدو الجزائر عالقة في خطاب قديم لم يعد يواكب التطورات العالمية.

ضرورة إعادة التفكير

أمام هذه اللحظة التاريخية، يحتاج صانع القرار الجزائري إلى شجاعة مراجعة السياسة الجزائرية تجاه ملف الصحراء. الحل الأمثل ليس في المواجهة ولا في المناورات المتأخرة، بل في فتح حوار مباشر ومسؤول مع المغرب، ضمن سيادة المملكة الكاملة على أقاليمها الجنوبية، وبما يضمن الاستقرار الإقليمي ويوقف نزيف الأخطاء السياسية الذي دام نصف قرن.

الوقت لا ينتظر، والمنطقة لا تحتمل مزيداً من التوتر. وإذا لم تبادر الجزائر اليوم، فمن سيحمي مصالح شعبها غداً؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى