الصناعة الصيدلانية الجزائرية.. بين مبالغة الخطاب الرسمي وواقع أزمـة الدواء في البلاد
تواصل السلطة الجزائرية استثمار ملف الصناعة الصيدلانية الجزائرية لتقديمه كإنجاز محوري في سياستها الاقتصادية، رغم الهوة الواسعة بين التصريحات الرسمية والواقع الملموس في السوق. وقد برز هذا التناقض مجدداً بعد تأكيد الرئيس عبد المجيد تبون امتلاك الجزائر لثلث مصانع الأدوية في القارة الإفريقية، خلال المؤتمر الوزاري الإفريقي حول الإنتاج المحلي للأدوية.
وتبدو هذه الأرقام لافتة في ظاهرها، لكنها تثير الكثير من التساؤلات عند مقارنتها بالأزمة الدوائية التي يعيشها المواطن. فرغم حديث الرئيس عن 230 مصنعاً من أصل 649 مصنعاً على مستوى إفريقيا، ما تزال عشرات الصيدليات تعاني من نقص دواء السكري وارتفاع ضغط الدم والمضادات الحيوية. كما تستمر شكاوى المرضى من اضطرارهم للبحث عن بدائل مستوردة بأسعار مرتفعة أو عبر السوق الموازية.
وحاولت الحكومة تعزيز هذا الخطاب عبر تنظيم المؤتمر بحضور وزراء ومسؤولين من أكثر من 15 دولة. وقد أشرف الوزير الأول سيفي غريب على افتتاحه في المركز الدولي للمؤتمرات، في مشهد بدا أقرب إلى عرض سياسي منه إلى مناسبة تقنية تهدف فعلاً إلى تطوير قطاع حساس. فالإخفاقات المتراكمة داخل القطاع تفوق بكثير الإنجازات التي تروج لها السلطة.
ويمثل شعار المؤتمر “صناعة صيدلانية محلية من أجل إفريقيا مندمجة وقوية” محاولة أخرى لتصدير صورة القوة الصناعية. لكن الصورة لا تعكس واقع الصناعة الصيدلانية الجزائرية التي تفتقد لهيكلة علمية متينة ولمختبرات ابتكار قادرة على إنتاج مواد فعالة بدل الاكتفاء بالتعبئة والتغليف. كما أن المشاريع التي تتحدث عنها الحكومة، والتي تتجاوز 100 مشروع قيد الإنجاز، لا تتضمن تفاصيل شفافة حول مواعيد الانطلاق أو طبيعة المنتجات.
وتشهد جلسات المؤتمر نقاشات تقنية يديرها خبراء من عدة دول. ومع ذلك، تبقى مشاكل القطاع داخل الجزائر أكبر من قدرة أي تظاهرة دولية على حلها. فالمنظومة الإدارية تعرقل الاستثمار، وشبكات الاستيراد تفرض نفوذها على السوق، بينما يفتقر المصنعون المحليون لدعم حكومي مستمر يمكنهم من تطوير خطوط إنتاج حقيقية.
ويُرتقب أن يختتم الحدث بـ “إعلان الجزائر”، الذي سيحتوي على توصيات تتعلق بالتعاون القاري. لكن التجارب السابقة تؤكد أن هذه البيانات لا تتجاوز في الغالب حدود الورق. ولا يعول عليها المصنعون المحليون الذين يشتكون من غياب رؤية اقتصادية متكاملة ومن قرارات حكومية متقلبة أثرت على وتيرة الإنتاج.
وفي النهاية، تظل الصناعة الصيدلانية الجزائرية رهينة خطاب رسمي يضخّم الإنجازات، مقابل واقع يعكس هشاشة البنية الصناعية ونقص التخطيط الاستراتيجي. ما يجعل الحديث عن ريادة إفريقية مجرد محاولة سياسية لخلق صورة إيجابية لا تتفق مع ما يعيشه المواطن داخل الصيدليات والمستشفيات.




