من “تبسيط الإجراءات” إلى تعقيد الحياة: كيف تحولت الجزائر إلى بيروقراطية رقمية فاشلة؟

في اجتماع تنسيقي روتيني آخر، يخرج وزير العمل والتشغيل والضمان الاجتماعي الجزائري، عبد الحق سايحي، بتصريحات براقة عن “مضاعفة الجهود” لتبسيط الإجراءات، الانتقال إلى إدارة ذكية، ورقمنة الخدمات. يبدو الأمر كما لو كان الوزير يقرأ من نص دعائي مكرر، يثني على “الإنجازات المحققة” ويعد بـ”الشفافية والنجاعة”. لكن هل هذه الكلمات تتناسب مع الواقع الجزائري؟ أم أنها مجرد محاولة لتلميع صورة نظام يعاني من بطالة مزمنة، فساد متجذر، وبيروقراطية تعيق كل تقدم؟ في الواقع، الإدارة الجزائرية تعاني من تدخل بيروقراطي مفرط يعيق الاقتصاد الخاص، كما أشارت تقارير حديثة.
فرغم الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية والرعاية الاجتماعية، يظل النظام يعتمد على نموذج مركزي يفتقر إلى الثقة من النخب البيروقراطية المحلية، مما يؤدي إلى تأخير في معالجة المشاريع وانعدام الاستجابة الإدارية. هذا ليس “ديناميكية إيجابية” كما يدعي الوزير، بل عائق يزيد من البطالة، التي بلغت 11.4% في 2019، وتصل إلى 26.9% بين الشباب، مع 42% من العمال في القطاع غير الرسمي دون أي حماية اجتماعية.
أين التبسيط إذن، عندما يعاني الشباب من عدم تطابق المهارات مع الوظائف، وتوقفت برامج التوظيف منذ 2019 لتحل محلها إعانات بطالة مؤقتة لا تحل المشكلة الجذرية؟أما “الانتقال إلى إدارة ذكية بالاعتماد على التسيير الإلكتروني”، فهو ادعاء مضحك أمام التحديات الحقيقية في رقمنة الخدمات العمومية. الجزائر تواجه صعوبات في البنية التحتية الرقمية، مخاوف الأمن السيبراني، وعقبات تنظيمية، كما أبرزت دراسات حديثة.
رغم الاتفاقات مع شركات مثل هواوي لبناء مراكز بيانات، إلا أن هذا يعكس اعتماداً خارجياً يزيد من التعرض للفساد والإدارة السيئة، بدلاً من إصلاح داخلي حقيقي.
في المقابل، المغرب حقق تقدماً في الرقمنة من خلال إصلاحات تدريجية، مما جعله أعلى تصنيفاً في مؤشر الحرية الاقتصادية لعام 2025، بزيادة 3.5 نقاط، مقابل تقدم جزائري ضعيف يعاني من عدم كفاءة التنظيم.
الجزائر تحتاج إلى مواجهة حقيقية للفساد الذي ينتشر في القطاعات الحيوية مثل الطاقة والأشغال العمومية، حيث أدى إلى تباطؤ المشاريع وزيادة البطالة والفقر.
الوزير يشدد على “التصدي الصارم للتجاوزات” و”تعزيز الرقابة”، لكن الواقع يقول غير ذلك. الفساد في الجزائر واسع النطاق، مع قوانين مضادة غير كافية، نقص في الشفافية، وانخفاض استقلالية القضاء، كما أفاد تقرير حرية العالم 2025.
الاتحاد العمالي الرئيسي متهم بعلاقته الوثيقة بالحكومة وعدم الدفاع عن مصالح العمال، مما يضعف المفاوضات ويحد من عمل النقابات المستقلة. هذا يتناقض مع دعوة الوزير لـ”الشفافية في مسابقات التوظيف”، إذ يظل النظام يعاني من الرشوة والمحسوبية، مما يجعل الإدارة العمومية غير فعالة وغير موثوقة.
حديث الوزير عن “ترشيد النفقات” دون المساس بحقوق المرتفقين يبدو فارغاً أمام الضغوط المالية. النظام الاجتماعي الجزائري يعاني من إجهاد مالي متزايد وعدم استراتيجية واضحة، مع تغطية فعالة لا تتجاوز 58% من السكان، مما يترك 42% دون حماية.
الإعانات والرواتب المرتفعة مؤقتاً لا تحل المشكلات الهيكلية، مثل تآكل القوة الشرائية بنسبة 60% في السنوات الأخيرة، مما يهدد باضطرابات اجتماعية.
تصريحات الوزير سايحي ليست سوى محاولة للتغطية على فشل نظام يعتمد على الوعود الجوفاء بدلاً من الإصلاحات الحقيقية. الجزائر بحاجة إلى مواجهة فسادها وبطالتها، لا إلى اجتماعات تنسيقية تكرر الكلام نفسه. أما المغرب، فهو يتقدم بخطى أكثر ثباتاً، رغم التحديات، نحو إدارة عصرية حقيقية. ربما يحتاج الجيران إلى النظر غربًا ليتعلموا درساً في الإصلاح!




