بريد الجزائر وتمويل الإرهاب.. تقرير رسمي يكشف هشاشة الرقابة المالية وضعف الحكومة أمام مخاطر غسل الأموال

كشف بنك الجزائر في تقرير رسمي حديث أن بريد الجزائر وتمويل الإرهاب يشكلان اليوم إحدى أكبر نقاط الضعف داخل المنظومة المالية الوطنية. التقرير الذي أعد بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، وضع مؤسسة البريد في صدارة المؤسسات الأكثر عرضة لعمليات غسل الأموال وتمويل الإرهاب، متقدماً حتى على البنوك التجارية.

ورغم أن التهديد الإرهابي في الجزائر تراجع، إلا أن التقرير أكد استمرار وجود ثغرات خطيرة داخل مؤسسة البريد، خاصة بسبب انتشارها الواسع وعدد زبائنها الكبير، إضافة إلى اعتمادها شبه الكلي على التعاملات النقدية. هذه العوامل تجعل من الصعب مراقبة التحويلات المالية والكشف المبكر عن الأنشطة المشبوهة.

حكومة عاجزة عن فرض الرقابة على المؤسسات المالية

توسع شبكة بريد الجزائر في جميع ولايات البلاد يُفترض أن يكون عاملاً إيجابياً لتسهيل الخدمات المالية، لكنه تحوّل إلى عبء أمني بسبب غياب رقابة فعالة. التقرير أشار بوضوح إلى أن أنظمة المراقبة الداخلية ضعيفة، وأن سياسة “اعرف عميلك” لا تُطبق بالشكل المطلوب، ما يفتح الباب أمام استغلال الحسابات البريدية في تمرير أموال مشبوهة.

ويأتي هذا الإخفاق في سياق أوسع يعكس عجز الحكومة عن ضبط الاقتصاد النقدي، الذي ما يزال يمثل أكثر من ثلث الناتج المحلي الإجمالي، وفق أرقام رسمية. هذا الوضع يجعل من بريد الجزائر وتمويل الإرهاب ملفاً حرجاً يعكس خللاً هيكلياً في إدارة المال العام.

تزايد المخاطر البنكية واستمرار الاقتصاد الموازي

التقرير صنّف مستوى المخاطر في البنوك على أنه “متوسط إلى مرتفع”، بسبب تنوع الخدمات وتعدد القنوات الرقمية وتزايد المعاملات العابرة للحدود. كما حذر من استمرار استخدام السيولة النقدية على نطاق واسع، ما يعقد عملية تتبع رؤوس الأموال المشبوهة.

وفي المقابل، أشار إلى أن مؤسسات الإيجار المالي تبقى الأقل تعرضاً للمخاطر، بفضل أنظمتها الأكثر انضباطاً وغياب التعاملات النقدية المباشرة.

إجراءات شكلية لا تكفي لتأمين المنظومة المالية

رغم إصدار الحكومة القانون رقم 23-01 لسنة 2023 المتعلق بالوقاية من تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، فإن نتائجه تبقى محدودة بسبب ضعف التنفيذ وغياب الشفافية. السلطات تروج لبرامج رقمنة المعاملات، لكن الواقع يظهر استمرار هيمنة الاقتصاد الموازي وتفاقم التهرب الضريبي والفساد، وهي أبرز مصادر الأموال غير المشروعة.

التقرير نفسه يربط بين هذه الجرائم وعمليات غسل الأموال، مؤكداً أن الفساد والاتجار غير المشروع بالمخدرات يشكلان المصدر الأكبر للأموال المشبوهة التي تتسرب إلى النظام المالي، بما في ذلك عبر بريد الجزائر.

ما يكشفه تقرير بنك الجزائر ليس مجرد تقييم تقني، بل فضيحة سياسية تعري ضعف الدولة أمام أخطر التهديدات الاقتصادية. فبين غياب الرقابة الفعالة وتهاون الحكومة في مكافحة الفساد، تبقى مؤسسات مالية مثل بريد الجزائر أرضاً خصبة لغسل الأموال وتمويل الإرهاب، في مشهد يختصر عجز النظام عن بناء اقتصاد شفاف وآمن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى