اتفاقية 1968 بين فرنسا والجزائر.. أزمة دبلوماسية جديدة تكشف ارتباك الدبلوماسية الجزائرية وفشلها في حماية مصالح الجالية بالخارج
يعرف المشهد الدبلوماسي بين الجزائر وفرنسا تصعيدا ملحوظا، بعدما صادق مجلس النواب الفرنسي، يوم الخميس، على مشروع قانون يدين اتفاقية 1968 الموقعة بين فرنسا والجزائر. هذا التصويت، رغم طابعه الرمزي، لم يمر مرور الكرام، لأنه يكشف عمق التوتر السياسي بين البلدين، ويطرح تساؤلات حول قدرة الجزائر على حماية مصالحها في الخارج، في ظل ارتباك رسمي وحسابات ضيقة تتحكم في القرار السياسي الداخلي.
خلفيات التصويت الفرنسي
بدأت القصة عندما قدم حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف مقترحه لإدانة الاتفاقية التي تنظم إقامة وتنقل الجزائريين في فرنسا منذ 1968. وبفارق صوت واحد فقط، حصل المشروع على دعم من أحزاب الجمهوريون وأوريزون، ما عكس التحول الواضح في المزاج السياسي الفرنسي تجاه ملف الهجرة والجزائر. ورغم أن القرار غير ملزم، فقد شكل رسالة مباشرة إلى حكومة باريس، كما شكل إحراجا واضحا للسلطة في الجزائر، التي فشلت مرة أخرى في توقع التحولات الإقليمية والتفاعل معها بفعالية.
تراجع النفوذ الجزائري في باريس
هنا يطرح السؤال: أين كانت الدبلوماسية الجزائرية؟ لماذا لم نسمع صوتا واضحا يسبق التصويت؟ وكيف غابت السلطات عن مسرح الأحداث، رغم أن الاتفاقية تمس مباشرة ملايين الجزائريين المقيمين في فرنسا؟ المشهد يبدو تكرارا لسيناريوهات سابقة، حيث يكتفي المسؤولون بردود متأخرة وخطابات إنشائية بدل التحرك الواقعي المدروس.
اتفاقية تاريخية تتحول إلى ورقة ضغط
وقعت الاتفاقية بعد ست سنوات من استقلال الجزائر، حين احتاجت فرنسا إلى يد عاملة، وسمحت للجزائريين بالهجرة وفق شروط ميسرة وإقامات طويلة الأمد. اليوم، تحولت الاتفاقية إلى موضوع صراع سياسي في باريس، بينما تستخدمها التيارات اليمينية كورقة انتخابية. وعلى الجانب الآخر، تتعامل الحكومة الجزائرية مع الملف برؤية قصيرة، تخلط بين الشعارات والتحركات الفعلية، ما يعمق العزلة الدبلوماسية ويزيد من هشاشة الموقف الرسمي.
إلى أين تتجه العلاقات؟
إذا تساءل المواطن الجزائري اليوم عن مستقبل الاتفاقية وعن مصير الجالية في فرنسا، فإن الإجابة ما تزال غامضة. الحكومة لم تقدم توضيحات شفافة، ولم تعلن خطتها للدفاع عن مصالح مواطنيها. وبدل توجيه الجهود نحو حماية حقوق الجزائريين وتحديث العلاقات مع باريس على أساس الندية، تستمر السلطة في خطاب داخلي يركز على الخصومة التاريخية أكثر من مصلحة الحاضر والمستقبل.
في النهاية، يكشف هذا التطور أن الجزائر بحاجة إلى إعادة بناء سياستها الخارجية، وتحريرها من الحسابات الضيقة والخطاب العاطفي. لأن العالم يتغير، وفرنسا تعيد ترتيب ملفاتها، والمواطن الجزائري يستحق دبلوماسية تدافع عنه، لا تتركه رهينة الأحداث وتحولات المزاج السياسي الخارجي.




