انتخابات الجزائر في 2 يوليو.. اقتراع فوق أزمة معيشية وحقوقية خانقة

تتجه الجزائر، يوم الخميس 2 يوليو 2026، إلى تنظيم انتخابات تشريعية جديدة. ويُفترض أن يختار الناخبون أعضاء المجلس الشعبي الوطني. غير أن هذا الموعد يأتي في ظرف سياسي واجتماعي شديد الحساسية.
فالقضية لا تتعلق بيوم اقتراع فقط. الجزائر تدخل هذه الانتخابات وسط أزمة معيشية واضحة. كما تدخلها في ظل انغلاق سياسي متواصل. وترافق ذلك مع تضييق حقوقي يزداد حضوره في التقارير الدولية.
وكان عبد المجيد تبون قد وقّع مرسوما رئاسيا لاستدعاء الهيئة الناخبة. وحدد المرسوم يوم 2 يوليو موعدا لانتخاب أعضاء المجلس الشعبي الوطني. وأعلنت وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية انطلاق الحملة في 9 يونيو، مع حديثها عن أكثر من 24 مليون ناخب.
حملة انتخابية لا تلامس عمق الأزمة
قدمت السلطة هذا الموعد باعتباره محطة لتعزيز المؤسسات. كما تحدث الخطاب الرسمي عن المشاركة والاستقرار وتجديد الحياة السياسية. لكن هذه العناوين بقيت بعيدة عن الأسئلة اليومية للجزائريين.
فالشارع الجزائري يعيش تحت ضغط اقتصادي واجتماعي متزايد. القدرة الشرائية تتراجع أمام الغلاء. والبطالة تواصل إنهاك فئات واسعة، خصوصا الشباب. كما أن الخدمات العمومية لا تعكس ثروة بلد نفطي وغازي كبير.
لذلك بدت الحملة، في جانب واسع منها، بعيدة عن هموم الناس. فهي لم تتحول إلى نقاش وطني جدي حول أسباب الأزمة. ولم تفتح محاسبة سياسية حقيقية حول فشل النموذج الاقتصادي.
وقد أشارت صحيفة Le Monde إلى أن الاقتصاد الجزائري ما زال متمسكا بنموذج استخراجي. واعتبرت أن النقاش حول الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية الكبرى يبقى ضعيفا. وهذا يعكس غيابا واضحا لرؤية تنموية تخرج البلاد من ريع المحروقات.
اقتصاد ريعي وشعارات بلا أثر يومي
تتحدث السلطة كثيرا عن السيادة الاقتصادية. كما تكرر الحديث عن التصنيع والاستثمار والتنويع. لكن الواقع اليومي يكشف فجوة واسعة بين الخطاب والنتائج.
فالجزائري لا يقيس الاقتصاد بالخطب الرسمية. يقيسه بسعر المواد الأساسية. ويقيسه بفرص العمل. ويقيسه أيضا بجودة الخدمات، وبقدرته على العيش بكرامة داخل بلده.
هذه المفارقة تجعل الانتخابات محدودة الأثر. فالاقتراع لا يغير شيئا عندما يبقى القرار الاقتصادي مركزيا ومغلقا. كما لا يصنع أملا عندما تغيب المنافسة الحقيقية حول السياسات العامة.
إقصاء سياسي قبل يوم التصويت
لم يبدأ الجدل حول الانتخابات يوم الاقتراع. بدأ قبل ذلك مع ملف الترشيحات. فقد تحدثت تقارير إعلامية عن إبطال عدد كبير من الترشيحات قبل فتح الصناديق.
ونقلت Le Monde أن مئات الترشيحات أُبطلت قبل انتخابات 2 يوليو. وأثار ذلك غضب المعارضة. كما ربطت الصحيفة الجدل بتطبيق المادة 200 من القانون الانتخابي، بوصفها أداة إضافية للغلق الإداري.
كما كتبت Courrier international أن الانتخابات تجري في مناخ سياسي مغلق. وأشارت إلى تهميش أصوات المعارضة، خاصة شخصيات قريبة من روح حراك 2019.
وهنا تظهر الأزمة الحقيقية. فالمنافسة لا تكون حرة عندما يبدأ الفرز قبل التصويت. كما أن الانتخابات لا تكون مفتوحة عندما يتحول حق الترشح إلى اختبار إداري وأمني.
الحريات في قلب الصورة القاتمة
لا يمكن قراءة انتخابات الجزائر خارج وضع الحريات. فالمشهد الحقوقي يطرح أسئلة ثقيلة حول حرية التعبير والصحافة والعمل المدني. وهذه الأسئلة لا تقل أهمية عن نتائج الصناديق.
منظمة العفو الدولية دعت، في مايو 2026، إلى الإفراج عن صحفيين قالت إنهم اعتقلوا تعسفيا. وذكرت أسماء من بينهم حسن بوراس وكريستوف غليز وعبد الوكيل بلام. كما اعتبرت أن السلطات تستهدف أصواتا مستقلة بسبب التعبير والعمل الصحفي.
ويعود اسم الصحفي الفرنسي كريستوف غليز بقوة إلى الواجهة. فقد صدر في حقه حكم بالسجن سبع سنوات في الجزائر. وترتبط القضية بعمل صحفي في المجال الرياضي، وباتهامات مرتبطة بـ“الإشادة بالإرهاب”. وقد أثارت القضية انتقادات واسعة من منظمات الدفاع عن الصحافة.
هذه الصورة تجعل الخطاب الانتخابي ناقصا. فلا معنى لمؤسسات منتخبة في ظل صحافة خائفة. ولا معنى للمشاركة عندما يشعر المواطن أن النقد قد يتحول إلى ملف قضائي.
موسم حبوب يكشف عطب التدبير
حتى الملفات المعيشية البسيطة تكشف عمق الأزمة. فقد نشر موقع TSA الجزائري، يوم 29 يونيو، تقريرا عن موسم حبوب وفير. لكن الوفرة اصطدمت بنقص غير مسبوق في آلات الحصاد.
هذه الواقعة تبدو تقنية في ظاهرها. لكنها تحمل دلالة سياسية واقتصادية واضحة. فالدولة التي تعجز عن تدبير موسم فلاحي جيد تكشف خللا أعمق في الإدارة والتخطيط.
الأرض أنتجت. والفلاح انتظر. لكن منظومة التدبير لم تكن في مستوى اللحظة. وهذا مثال صغير على مشكلة أكبر تعيشها الجزائر منذ سنوات.
انتخابات بلا أفق واضح
في المحصلة، تبدو انتخابات 2 يوليو أقرب إلى محطة لإعادة إنتاج المشهد القائم. فهي تجري فوق أزمة معيشية حقيقية. وتجري أيضا في ظل انغلاق سياسي وحقوقي واضح.
السؤال المركزي لا يتعلق فقط بمن سيفوز بالمقاعد. السؤال الأهم هو: هل تستطيع هذه الانتخابات فتح أفق جديد؟ المؤشرات الحالية لا تمنح جوابا مطمئنا.
فالجزائر لا تحتاج إلى صناديق اقتراع شكلية. تحتاج إلى فضاء سياسي مفتوح. وتحتاج إلى صحافة حرة. وتحتاج أيضا إلى اقتصاد يخدم المواطن، لا إلى شعارات تستهلكها الحملات الرسمية.
وبين ضغط المعيشة وتراجع الحريات، يدخل الجزائريون موعد 2 يوليو بقلق مشروع. فالصندوق وحده لا يصنع الديمقراطية. ولا يمكن لأي اقتراع أن يخفي واقعا يوميا يعيشه المواطن في الخبز والعمل والكرامة والحرية.




