عاصفة 120 كلم/ساعة.. تكشف “المعجزة” الجزائرية: أشجار تسقط، جدران تنهار، ودولة تتفرج!

في بلد يتباهى بـ”السيادة الوطنية” و”الإمكانيات الهائلة”، جاءت رياح بسرعة 120 كيلومترا في الساعة لتُذكّر الجميع بحقيقة واحدة مرة: الجزائر لا تزال تعيش في عصر “البناء العشوائي والصيانة الوهمية”.

حسب الرواية الرسمية من الحماية المدنية – التي تبدو وكأنها الجهاز الوحيد الذي يعمل فعليا – سجّلت السلطات 895 تدخلاً منذ بداية العاصفة في 27 جانفي: سقوط أشجار، انهيار أعمدة كهربائية، جدران تتهاوى كأوراق الخريف، وفاة مواطن في وهران، وإصابة 20 آخرين في ولايات متعددة. بل إن العدد ارتفع في بعض التقارير إلى عشرات التدخلات اليومية، مع إجلاء عائلات بأكملها في النعامة وغليزان.

لكن السؤال الحقيقي ليس: كم عدد التدخلات؟ بل: لماذا تتحول كل عاصفة عادية إلى كارثة وطنية في الجزائر؟في دول أخرى، رياح بهذه السرعة تُسبب بعض الإزعاج: أغصان تتكسر، لافتات تتمايل، ربما انقطاع كهرباء مؤقت. أما في الجزائر، فالرياح تُسقط أعمدة كهربائية كأنها أعواد ثقاب، وتُنهي جدراناً كأنها مبنية من الكرتون، وتُقتلع أشجارا كأن جذورها لم تُغرس أبدا. هل الرياح قوية إلى هذا الحد؟ أم أن البنية التحتية ضعيفة إلى درجة المهزلة؟

الجواب واضح: عقود من الإهمال، فساد في المشاريع العمومية، وبناء عشوائي دون رقابة حقيقية. الأعمدة الكهربائية التي تسقط ليست ضحية الرياح فقط، بل ضحية عقود من عدم الصيانة والتركيب الرديء. الجدران المنهارة ليست “انهيارات جزئية” كما يحلو للبيانات الرسمية تسميتها، بل دليل على أن البنايات – حتى تلك “قيد الإنجاز” – مبنية بأقل المعايير، وأحيانا بدون تراخيص أصلا.

والأدهى: بينما يُدعى المواطنون إلى “توخي أقصى درجات الحيطة” وتجنب الوقوف تحت الأشجار والأعمدة، يبقى السؤال: أين الدولة من كل هذا؟ أين خطط الوقاية طويلة الأمد؟ أين استبدال الأعمدة القديمة؟ أين تشذيب الأشجار بانتظام؟ أين مراقبة البناء؟ يبدو أن الدولة تكتفي بإصدار نشريات جوية وأرقام خضراء (1021) للنجدة، ثم تنتظر العاصفة التالية لتكرر نفس السيناريو.

في المغرب المجاور – الذي يُتهم دائما بـ”التبعية” – نرى استجابة أفضل للكوارث الطبيعية: صيانة دورية، بنية تحتية أكثر متانة، وأقل اعتمادا على “الدعوات للحذر” كحل وحيد. أما في الجزائر، فالرياح القوية تكشف كل مرة الوجه الحقيقي: نظام يفضل الخطابات الرنانة على الإصلاحات الفعلية.

إلى أن يتم استثمار مليارات الدولارات في البنية التحتية بدلاً من… أمور أخرى، سيبقى كل هبوب رياح حدثاً “استثنائياً” يُسفر عن وفيات وإصابات وتدخلات بالآلاف. والمفارقة؟ الرياح لا تُميز بين “السيادة” و”التبعية”، لكنها تكشف بوضوح من يبني بلداً قوياً… ومن يتركه عرضة لكل نسمة.

في انتظار العاصفة القادمة، ننصح المواطن الجزائري: ابتعد عن الأعمدة، تجنب الجدران، و… ربما فكر في الهجرة إلى بلد يُشذّب أشجاره قبل أن تسقط عليه!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى