البابا ليو الرابع عشر يوبخ الرئيس تبون سياسيا ويدعوه إلى خدمة الشعب لا السيطرة عليه

في خطاب حمل رسائل سياسية واضحة من قلب الجزائر، دعا البابا ليو الرابع عشر السلطات الجزائرية إلى توسيع هامش المشاركة السياسية والمدنية، وعدم الخوف من الانفتاح، مع التشديد على أن قوة الدولة لا تُقاس بالهيمنة على المجتمع بل بقدرتها على خدمة الشعب وتمكينه. وجاءت هذه المواقف في مستهل زيارته التاريخية إلى الجزائر يوم 13 أبريل 2026، خلال لقائه بالسلطات والمجتمع المدني والسلك الدبلوماسي في الجزائر العاصمة، في أول زيارة بابوية من نوعها إلى البلاد.
رسائل ضمنية إلى السلطة الجزائرية بشأن الحريات
اللافت في خطاب البابا أنه لم يكتفِ بالمجاملات البروتوكولية المعتادة، بل وجّه نداءً مباشرًا إلى من بيدهم السلطة في الجزائر كي يدعموا “مجتمعًا مدنيًا نابضًا بالحيوية والدينامية والحرية”، وأن يمنحوا الشباب موقعًا أوسع في صناعة الأمل والمستقبل. كما شدد بوضوح على أن السلطات “مدعوة لا إلى الهيمنة، بل إلى خدمة الشعب وتعزيز تنميته”، وهي عبارات حملت دلالة سياسية تتجاوز الإطار الروحي أو الأخلاقي.
تمكين الشباب في مواجهة انسداد الأفق
وضع البابا فئة الشباب في قلب رسالته، داعيًا إلى الاعتراف بقدراتهم ومنحهم المجال للمساهمة في توسيع “أفق الأمل للجميع”. وتأتي هذه الإشارة في سياق جزائري يتسم بتزايد الشعور بالإحباط لدى شرائح واسعة من الشباب، خصوصًا بعد سنوات من الحراك الشعبي الذي انفجر سنة 2019 حاملاً مطالب التغيير السياسي والشفافية وإعادة الاعتبار للإرادة الشعبية. وما يجعل هذه الرسالة أكثر ثقلاً أن البابا اختار إطلاقها علنًا أمام كبار المسؤولين الجزائريين، وفي مقدمتهم الرئيس عبد المجيد تبون.
زيارة تاريخية في ظرف سياسي حساس
زيارة البابا ليو الرابع عشر إلى الجزائر ليست حدثًا دينيًا عاديًا، بل محطة سياسية ورمزية لافتة، خاصة أنها الزيارة البابوية الأولى للبلاد وتندرج ضمن جولة أفريقية أوسع تشمل أربع دول. وقد حرص البابا في كلمته على الإشادة بالشعب الجزائري وروح التضامن داخله، لكنه ربط في الآن نفسه مستقبل البلاد بمدى احترام كرامة المواطنين، وتوسيع المشاركة، وتعزيز العدالة باعتبارها شرطًا لأي سلام حقيقي. كما حذر من أن تتحول السلطة إلى أداة سيطرة بدل أن تكون أداة خدمة للصالح العام.
منظمات حقوقية سبقت الزيارة بمطالب واضحة
قبل الزيارة بأيام، دعت منظمات حقوقية دولية، من بينها هيومن رايتس ووتش، البابا إلى إثارة ملفات حقوق الإنسان في الجزائر، سواء في لقاءاته الخاصة مع المسؤولين أو في مداخلاته العلنية. وتحدثت تلك المنظمات عن قضايا تتعلق بتضييق الفضاء المدني والحريات الدينية وحرية التعبير، ما يمنح خطاب البابا وزنًا إضافيًا، لأنه جاء في سياق ضغط حقوقي سابق على الزيارة، ولم يكن مجرد موقف معزول أو عابر.
تبون يرحب والبابا يضع النظام أمام اختبار
في المقابل، رحّب الرئيس عبد المجيد تبون بالبابا واعتبر زيارته حدثًا تاريخيًا، مع إبراز الرمزية الروحية المرتبطة بالقديس أوغسطينوس، أحد أبرز أعلام المسيحية الذين ارتبط اسمهم بالجزائر. غير أن هذا الترحيب الرسمي لا يحجب حقيقة أن الرسائل التي حملها خطاب البابا تضع النظام الجزائري أمام اختبار جديد، داخليًا وخارجيًا، بشأن قدرته على توسيع الحريات، وفتح المجال العام، والانتقال من منطق الضبط والسيطرة إلى منطق المشاركة والثقة بالمجتمع.
البابا ليو الرابع عشر والجزائر.. ما الذي يعنيه هذا الخطاب؟
عمليًا، يكرس خطاب البابا ليو الرابع عشر في الجزائر حقيقة محرجة للسلطة، وهي أن مسألة الحريات لم تعد مجرد مطلب داخلي يرفعه ناشطون ومعارضون، بل أصبحت أيضًا جزءًا من الخطاب الدولي الموجّه علنًا إلى النظام. وعندما تصدر دعوة إلى “مجتمع مدني حر” و”تمكين الشباب” ورفض “هيمنة” السلطة على الشعب من أعلى مرجعية كاثوليكية في العالم، وأمام رأس الدولة الجزائرية نفسه، فإن الرسالة تصبح سياسية بامتياز، حتى لو صيغت بلغة أخلاقية ودبلوماسية.




