مجلة الجيش وخطاب السلطة.. دعاية الاستقرار أم إنكار الواقع الجزائري؟

عادت مجلة الجيش، في عددها الأخير، لتروّج خطابًا رسميًا يصف الجزائر بـ“واحة الأمن والاستقرار”، ويقدّمها كـ“ورشة كبرى” لمشاريع استراتيجية تقودها السلطة الحاكمة. صدر هذا الخطاب في سياق سياسي واجتماعي متأزم، تعيش فيه البلاد ضغوطًا اقتصادية، وتراجعًا في القدرة الشرائية، وانسدادًا سياسيًا واضحًا. وهنا يبرز سؤال جوهري: من يخاطب هذا الخطاب؟ ومتى يلتقي مع الواقع اليومي للجزائريين؟

من يكتب؟ ولماذا الآن؟

تتولى مجلة الجيش، بوصفها لسان حال المؤسسة العسكرية، تسويق رؤية السلطة حول “الجزائر الناشئة”. يأتي ذلك في وقت تتصاعد فيه الانتقادات الداخلية والدولية بشأن الحريات العامة، والوضع الاقتصادي، واستمرار الحكم نفسه دون إصلاحات عميقة. لذلك يبدو توقيت هذا الخطاب مرتبطًا بمحاولة احتواء الغضب الاجتماعي، لا بشرح سياسات عمومية قابلة للتقييم.

لغة التخوين بدل لغة الإقناع

تعتمد مجلة الجيش على خطاب تعبوي قائم على التخوين، إذ تصف كل نقد أو رأي مخالف بـ“المؤامرة” و“الحملات التضليلية”. كما تلجأ إلى نعت المعارضين بـ“العملاء” و“البؤساء”، بدل الرد على الأسئلة الحقيقية حول البطالة، والتضخم، وهجرة الكفاءات. هذا الأسلوب لا يعكس ثقة في المنجزات، بل يوحي بحساسية مفرطة تجاه أي مساءلة.

أين هي الحصيلة الملموسة؟

تؤكد مجلة الجيش أن الجزائر تسير بثبات نحو مصاف الدول الناشئة. غير أن هذا الادعاء يفتقر إلى مؤشرات دقيقة. فلا تقدم المجلة أرقامًا حول النمو الحقيقي خارج المحروقات، ولا تشرح أثر “المشاريع الكبرى” على حياة المواطن. كما تتجاهل واقع المؤسسات المتعثرة، وضعف الاستثمار، واستمرار الاقتصاد الريعي.

الجيش بين الدور الدستوري والتوظيف السياسي

تشيد مجلة الجيش بدور الجيش الوطني الشعبي في “مرافقة المسيرة التنموية”. غير أن هذا الطرح يثير تساؤلات مشروعة حول حدود الدور الدستوري للمؤسسة العسكرية. فالتنمية مسؤولية حكومة منتخبة تخضع للمحاسبة، لا مؤسسة يفترض أن تبقى على مسافة من الترويج السياسي.

خطاب مغلق في زمن الأزمات

يكشف خطاب مجلة الجيش عن انفصال متزايد بين سردية السلطة وواقع المجتمع. فالحديث عن “السكينة” لا ينسجم مع الاحتجاجات الصامتة، ولا مع الإحباط الواسع وسط الشباب. كما أن شيطنة النقد لا تبني دولة ناشئة، بل تعمّق فجوة الثقة بين الحاكم والمحكوم.

إن الجزائر لا تحتاج إلى لغة دعائية، بل إلى اعتراف بالأزمات، وإصلاحات حقيقية، وخطاب مسؤول يخاطب المواطن بصدق، لا عبر شعارات مستهلكة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى