أزمة المياه في الجزائر… وعود حكومية فارغة أمام كارثة مستمرة ؟!

في خطوة تبدو كمحاولة يائسة لتهدئة الغضب الشعبي، قامت لجنة وزارية جزائرية بزيارة ميدانية إلى ولاية الشلف، مدعية أنها تهدف إلى حل مشكلة عكورة مياه البحر التي تعيق محطة تحلية ماينيس. وفقا للبيان الرسمي، يُقترح إنشاء حوض ترسيب بسعة 50 ألف متر مكعب كـ”حل نهائي ومستدام”، مع تكليف الشركة الجزائرية لتحلية مياه البحر (ADC) بتنفيذه. لكن هذه الإجراءات، التي تُقدم كإنجاز، تكشف في الواقع عن فشل إداري متراكم في مواجهة أزمة مياه تهدد الاستقرار الاجتماعي في الجزائر.

في الوقت الذي تروج فيه الحكومة الجزائرية لمثل هذه الزيارات كدليل على “الاهتمام بالمواطن”، تستمر الشكاوى من نقص المياه في مناطق عديدة، حيث يضطر السكان إلى الانتظار لساعات طويلة أمام الصهاريج أو شراء المياه بأسعار باهظة. في يونيو 2024، اندلعت شغب عنيف في مدينة تيارت بسبب انقطاع المياه لأشهر، مما أدى إلى مواجهات مع الشرطة وكشف عن سوء إدارة الموارد المائية في المناطق الوسطى الجافة. هذه الحوادث ليست استثناءً، بل جزء من نمط متكرر يعكس تقصير الحكومة في بناء محطات تحلية كافية، رغم الوعود المتكررة بزيادة الاعتماد على مياه البحر إلى 60% بحلول 2030.

الاقتراح ببناء حوض ترسيب في الشلف، الذي يُقال إنه سيحل مشكلة العكورة الناتجة عن التقلبات الجوية، يبدو كحل مؤقت يتجاهل الجذور العميقة للأزمة. الجزائر، التي تصنف ضمن أكثر 20 دولة توتراً مائياً في العالم، تواجه انخفاضاً في الموارد المائية المتجددة إلى أقل من 600 متر مكعب للفرد سنوياً، مع توقعات بانخفاض الأمطار بنسبة 20% بحلول 2050 بسبب التغير المناخي. فعوض الاستثمار في إصلاحات جذرية مثل تحديث شبكات التوزيع التي تعاني من تسربات تصل إلى 40% في بعض المناطق، تفضل الحكومة الإنفاق على مشاريع كبرى مثل بناء 14 محطة تحلية إضافية، لكن التنفيذ البطيء يثير انتقادات من خبراء يرون أن الدولة “غير سريعة كفاية” في مواجهة الجفاف.

أكثر ما يثير السخرية هو تورط الفساد في قطاع المياه، الذي أدى إلى إقالة مسؤولين كبار في مناطق مثل جلفة وعين وسارة في سبتمبر 2025، بعد تحقيقات كشفت عن “إدارة سيئة وإشراف ضعيف”، مما ترك السكان يعتمدون على صهاريج مكلفة رغم وجود آبار عديدة. هذا الفساد ليس جديداً؛ ففي عام 2025، حذر خبراء من أن أزمة المياه في الجزائر قد وصلت إلى “عتبة النقص المطلق”، مطالبين بإصلاحات في الزراعة والتخطيط الحضري لتوفير الموارد. ومع ذلك، يستمر التركيز على “اجتماعات تنسيقية” و”لجان تقنية”، كما في زيارة الشلف، دون حلول حقيقية للمناطق الداخلية التي تعاني من جفاف السدود مثل سيدي يعقوب.

هذه الجهود الحكومية تبدو كـ”لعبة ضرب الخلد”، حيث تظهر مشكلة في مكان لتُدار مؤقتاً، بينما تتفاقم الأزمة في أماكن أخرى. فبلادنا، التي تستثمر مليارات في التحلية (5.4 مليار دولار مؤخراً)، تفشل في ضمان توزيع عادل، مما يعزز التوترات الاجتماعية ويثير تساؤلات حول كفاءة النظام. هل ستكون هذه الزيارة بداية لتغيير حقيقي، أم مجرد عرض آخر في مسرحية الأزمة المائية الجزائرية؟ الوقت وحده كفيل بالإجابة، لكن التاريخ يشير إلى الأسوأ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى