اختلالات ميزانية 2023 بالجزائر.. مجلس المحاسبة يكشف فوضى التمويل العمومي

عاد ملف اختلالات الميزانية 2023 ليكشف، من جديد، عمق أزمة التسيير المالي في الجزائر، بعدما سجّل مجلس المحاسبة جملة من التجاوزات الخطيرة في المشروع التمهيدي لقانون تسوية الميزانية. هذه الملاحظات لا تعكس مجرد أخطاء تقنية، بل تؤكد استمرار نمط حكم يقوم على غياب الشفافية وضعف المحاسبة.

من المسؤول؟ وكيف مُنحت الأموال العمومية؟

بحسب تقرير مجلس المحاسبة، الذي يمتد على 320 صفحة، منحَت وزارة الصناعة مساهمات مالية لمؤسسات عمومية ذات طابع صناعي وتجاري، وهيئات عمومية أخرى، دون أي إطار تعاقدي يحدد التزامات الخدمة العمومية. حدث ذلك رغم وضوح النصوص القانونية، خاصة المادة 21 من المرسوم التنفيذي 21-62.

الأخطر أن هذه التمويلات قُدمت من دون دفاتر شروط قانونية. أي أن الدولة منحت المال العام دون تحديد واجبات المستفيدين، ودون آليات متابعة أو تقييم. وهو ما يطرح سؤالاً جوهرياً: كيف تُصرف أموال الخزينة، ولمصلحة من؟

استمرار برامج مغلقة قانونياً

وفي سياق متصل، أبرز التقرير استمرار تنفيذ برامج صندوق مغلق قانونياً. فرغم غلق حساب التخصيص رقم 302-124 بموجب قانون المالية لسنة 2021، واصلت الحكومة تنفيذ برنامج عمل الصندوق دون سند تمويلي واضح عبر ميزانية الدولة.

هذا التجاهل الصريح للقانون يكشف ارتباك القرار المالي، ويعكس عقلية تسيير فوقية لا تكترث بالإطار التشريعي. كما لم تتخذ وزارة المالية أي إجراء عملي بخصوص مراسلاتها السابقة، ما يعمّق الشكوك حول جدية الإصلاحات المعلنة.

اختلالات الميزانية 2023 في قطاع الاتصال

لم تقتصر اختلالات الميزانية 2023 على وزارة الصناعة فقط، بل شملت أيضاً وزارة الاتصال. فقد منحَت هذه الأخيرة مساهمات بقيمة تقارب 22 مليار دينار لمؤسسات عمومية، دون دفاتر شروط واضحة تحدد أعباء الخدمة العمومية.

هذا السلوك يعكس سياسة مالية تقوم على الإنفاق غير المشروط، وتغيب عنها الرقابة البَعدية. كما يفتح الباب أمام سوء الاستغلال، ويضرب مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.

تقييد محاسبي خاطئ يخدم التضليل

سجّل مجلس المحاسبة كذلك تقييداً محاسبياً خاطئاً لمساهمات الدولة، حيث أُدرجت نفقات ذات طابع قطاعي ضمن برامج إدارية عامة، بدل ربطها ببرامج تطوير الصناعة والمنافسة.

على سبيل المثال، قُيّدت إعانات موجهة لدعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ضمن برامج إدارية، في مخالفة صريحة للقانون العضوي والمرسوم التنفيذي 20-354. هذا التلاعب المحاسبي لا يُعد خطأ بريئاً، بل يُستخدم لتضليل الرأي العام وإخفاء فشل السياسات العمومية.

متى تنتهي فوضى التسيير؟

تؤكد اختلالات الميزانية 2023 أن الأزمة ليست في النصوص، بل في الإرادة السياسية. فالقوانين موجودة، لكن السلطة تتعامل معها بانتقائية. وفي ظل غياب محاسبة فعلية، تستمر نفس الممارسات، وتُهدر الأموال، بينما تتفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.

إن ما كشفه مجلس المحاسبة ليس سوى جزء من صورة أوسع لحكم مالي مأزوم، يحتاج إلى إصلاح جذري، لا إلى تقارير تُركن في الأدراج.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى