إنجازات الجنرالات في عز الصيف.. شعب عطشان وبلاد تفوح برائحة الغائط

مع حلول ذروة فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات قياسية، يجد المواطن البسيط نفسه أمام سلسلة متواصلة من التحديات اليومية التي تحوّل فصل العطلة والراحة إلى موسم جديد من المعاناة. فمن أزمة المياه وتراجع توفر بعض المواد الأساسية، إلى ارتفاع أسعار الخضر والفواكه واللحوم، مروراً بانتشار الحشرات والكلاب الضالة وتدهور الظروف الصحية والبيئية، تتكاثر الضغوط التي تثقل كاهل الأسر محدودة الدخل.
وتبدأ معاناة المواطن منذ ساعات الصباح الأولى، مع رحلة البحث عن المياه، بعدما أصبح وصولها إلى الحنفيات مرتبطاً بمواعيد غير منتظمة، ما يدفع العائلات إلى ترقب فترات الضخ وتعبئة ما تيسر من الأواني والخزانات تحسباً لانقطاعها مجدداً. وفي ظل ارتفاع درجات الحرارة، تتحول المياه من خدمة أساسية إلى هاجس يومي يفرض نفسه على تفاصيل الحياة.
أما رحلة التسوق، فقد أصبحت بدورها اختباراً صعباً للقدرة الشرائية. فأسعار الخضر والفواكه واللحوم تجاوزت قدرة العديد من الأسر، حتى بات البعض يكتفي بالنظر إلى المعروضات أو إلقاء التحية على الباعة قبل مغادرة الأسواق خالي الوفاض. ولم تعد المائدة اليومية مرتبطة بما ترغب الأسرة في تناوله، بل بما تستطيع ميزانيتها تحمّل تكلفته.
ولا تختلف الصورة كثيراً عندما يتعلق الأمر بالمواد الأساسية، إذ أصبحت بعض السلع، مثل السميد والحليب وغيرها، مرتبطة بالطوابير والبحث المضني عن نقاط البيع. وفي كثير من الأحيان، يجد المواطن نفسه مضطراً إلى قضاء ساعات في الانتظار من أجل الحصول على كميات محدودة من احتياجات منزلية يفترض أن تكون متاحة بصورة طبيعية ومنتظمة.
وأمام هذه الظروف، تحولت المعابر الحدودية مع تونس إلى منفذ تقصده أعداد كبيرة من الجزائريين الباحثين عن ظروف معيشية وخدمات أفضل خلال فصل الصيف. فبالنسبة إلى كثير من العائلات، لا تقتصر الرحلة على السياحة والاستجمام، وإنما ترتبط أيضاً بالرغبة في الاستفادة من أسواق أكثر تنوعاً، وخدمات منتظمة، ومطاعم وفضاءات تجارية تلبي احتياجات الزائر بعيداً عن ضغوط الأسعار والنقص التي يواجهونها في حياتهم اليومية.
وفي المقابل، تبرز لدى قطاع من الرأي العام صورة مغايرة تماماً عن واقع المواطن البسيط، إذ يتداول الجزائريون باستمرار نقاشاً واسعاً حول الفوارق الاجتماعية ومستوى معيشة المسؤولين ودوائرهم مقارنة بالأسر التي تكافح يومياً لتأمين أبسط احتياجاتها. وبينما ينشغل المواطن بتدبير المياه والغذاء ومواجهة ارتفاع الأسعار، يرى كثيرون أن النخبة الحاكمة تعيش ظروفاً أكثر رفاهية وبعيدة عن تفاصيل الحياة اليومية للشارع.
وهكذا يكشف الصيف، بما يحمله من حرارة وأزمات موسمية، عن مشكلات أعمق تتجاوز ارتفاع درجات الحرارة. فهو يسلط الضوء على هشاشة بعض الخدمات الأساسية، وتراجع القدرة الشرائية، وارتفاع تكاليف المعيشة، إضافة إلى الاختلالات البيئية والصحية التي تعاني منها بعض المناطق.
وفي النهاية، لا يبحث المواطن البسيط عن امتيازات استثنائية، بل عن الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة: مياه متوفرة بانتظام، وأسواق مستقرة، وأسعار في متناول الأسر، وخدمات عمومية فعالة، وبيئة صحية وآمنة. ويبقى التحدي الحقيقي أمام السلطات هو الانتقال من الحلول المؤقتة والترقيعات الموسمية إلى معالجة جذور هذه المشكلات بسياسات واضحة ومستدامة تعيد للمواطن ثقته في الخدمات العمومية وتضمن له حياة أكثر استقراراً وكرامة.




