منظمة العفو الدولية تفضح قمع الصحفيين في الجزائر وتطالب بالإفراج الفوري عن المعتقلين

في تقرير جديد يفضح واقع القمع المتواصل في الجزائر، طالبت منظمة العفو الدولية السلطات الجزائرية بالإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع الصحفيين المحتجزين تعسفيا، مؤكدة أن النظام يواصل توظيف القضاء الجنائي كأداة لمعاقبة الأصوات الإعلامية المستقلة والناقدة، بدل حماية حرية الصحافة وصون الحق في التعبير.

منظمة العفو الدولية تفضح التناقض بين خطاب السلطة وواقع القمع

أبرزت المنظمة الحقوقية الدولية أن هذه الحملة القمعية تتناقض بشكل صارخ مع الخطاب الرسمي الذي تحاول السلطات الجزائرية تسويقه بشأن احترام حرية التعبير. ففي الوقت الذي خرج فيه وزير الاتصال زهير بوعمامة يوم 4 ماي/أيار 2026 ليتحدث عن ضمان حرية الصحافة “بعيدا عن أي ضغط أو قيد”، كانت السجون والمحاكم والمتابعات السياسية تواصل حصد الصحفيين والإعلاميين بسبب آرائهم وعملهم المهني.

هذا التناقض لم يعد مجرد مفارقة سياسية عابرة، بل صار عنوانا مكشوفا لطبيعة الحكم في الجزائر، حيث تتولى السلطة تلميع صورتها في المناسبات الرسمية، بينما يشتغل الجهاز القضائي والأمني على إسكات كل صوت يزعج الرواية الرسمية أو يفضح الواقع المعيشي والحقوقي المتردي.

سبعة صحفيين وإعلاميين بين السجن والمتابعات منذ أواخر 2025

وبحسب المعطيات التي أوردتها منظمة العفو الدولية، فإن السلطات الجزائرية احتجزت تعسفيا أو لاحقت قضائيا أو أدانت سبعة صحفيين وإعلاميين منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2025، فقط لأنهم مارسوا عملهم أو عبروا عن آرائهم. وتشير الحصيلة إلى الحكم على أحدهم بالسجن، وإدانة ثلاثة آخرين بعقوبات موقوفة التنفيذ، فيما لا يزال ثلاثة رهن الحبس المؤقت.

وتكشف هذه الأرقام، في ظرف زمني وجيز، أن الأمر لا يتعلق بحالات معزولة، بل بنهج ممنهج يقوم على ترهيب الصحافة المستقلة، وتحويل التهم الفضفاضة من قبيل “الإرهاب” و”المساس بالأمن القومي” و”نشر أخبار كاذبة” إلى سلاح جاهز لإسكات كل من يخرج عن حدود الطاعة الإعلامية.

عبد الوكيل بلام.. محاكمة بتهم إرهاب بعد أكثر من 16 شهرا من الحبس

ومن أبرز الملفات التي سلطت عليها المنظمة الضوء قضية الصحفي عبد الوكيل بلام، المرتقب مثوله أمام محكمة الدار البيضاء في الجزائر العاصمة يوم 14 ماي/أيار، وهو يواجه تهما ثقيلة من بينها “المشاركة في منظمة إرهابية” و”نشر معلومات كاذبة” و”المساس بالوحدة الوطنية”. وقد أمضى أكثر من 16 شهرا رهن الحبس المؤقت بعد توقيفه في ديسمبر/كانون الأول 2024. كما أكدت المنظمة أن عائلته حُرمت لمدة أسبوع من معرفة مصيره ومكان وجوده، في ما يرقى إلى تعريضه للاختفاء القسري.

وتفيد المعطيات الواردة في الملف بأن ملاحقته جاءت على خلفية دعمه عبر فيسبوك لحركة احتجاجية رقمية تطالب بتحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية ووضع حد للقمع، إلى جانب تواصله مع نشطاء وصحفيين آخرين عبر الإنترنت. كما أكدت المنظمة، بعد مراجعة ملف القضية، أن الادعاء لم يقدم أي دليل على تورطه في جرائم معترف بها وفق القانون الدولي والمعايير الدولية.

حسّان بوراس.. صحفي مريض يواجه السجن والإضراب عن الطعام

المنظمة توقفت أيضا عند قضية الصحفي حسّان بوراس، الذي لا يزال رهن الحبس المؤقت منذ 12 أبريل/نيسان 2026، بعد اعتقاله أمام منزل عائلته في البيض، على بعد نحو 400 كيلومتر جنوب العاصمة. ووفقا للتقرير، جرى احتجازه دون تمكينه من التواصل مع محام، في ظل صعوبات مالية وجغرافية حالت دون تمكن عائلته من تأمين الدفاع القانوني له.

وتزداد خطورة هذا الملف بالنظر إلى الوضع الصحي المتدهور للصحفي، إذ يعاني من مشاكل في القلب والروماتيزم والربو، بينما أشارت المنظمة إلى أن حالته تفاقمت داخل السجن، خاصة بسبب تدخين محتجزين آخرين. كما دخل بوراس في إضراب مفتوح عن الطعام منذ 3 ماي/أيار احتجاجا على اعتقاله التعسفي، ما يجعل مسؤوليّة السلطات الجزائرية مضاعفة في ما قد تؤول إليه أوضاعه الصحية.

صحفيون آخرون في مرمى القمع.. من كريستوف غليز إلى مصطفى بن جامع

ولم تتوقف الحملة عند الصحفيين الجزائريين فقط، بل امتدت أيضا إلى صحفيين أجانب. فقد أشارت منظمة العفو الدولية إلى أن السلطات أيّدت في ديسمبر/كانون الأول 2025 حكما بالسجن سبع سنوات بحق الصحفي الفرنسي الرياضي كريستوف غليز، بسبب تقارير صحفية أنجزها حول ناد لكرة القدم في تيزي وزو وتواصله مع شخصيات محلية، من بينهم أشخاص تصنفهم السلطات ضمن خانة “الإرهاب”.

كما يلاحَق الناشر الإعلامي والناشط عبد الكريم زغيلش في خمس قضايا مختلفة، بتهم وصفتها المنظمة بالمفبركة، بينها “إهانة الرئيس” و”الإضرار بالمصلحة الوطنية”، على خلفية منشورات رقمية تندرج ضمن حرية التعبير. ومن المرتقب صدور الحكم في أولى هذه القضايا يوم 19 ماي/أيار، بينما تم تأجيل جلستين أخريين إلى 3 و4 يونيو/حزيران.

وفي ملف آخر، أعادت المنظمة التذكير بقضية الصحفي سعد بوعقبة، الذي أدين في ديسمبر/كانون الأول 2025 بالسجن ثلاث سنوات مع وقف التنفيذ وغرامة مالية، بتهمتي “إهانة وتشويه رموز ثورة التحرير الوطني” و”نشر معلومات كاذبة من شأنها الإضرار بالأمن والنظام العام”، وذلك بعد حبسه مؤقتا لمدة أسبوع، رغم معاناته من مرض مزمن وخضوعه أصلا لحظر السفر. وقد استندت هذه الإدانة إلى مقابلة صحفية تناول فيها مزاعم تتعلق بتوزيع غير مشروع للأموال من طرف أحمد بن بلّة. ومن المرتقب النظر في الاستئناف يوم 2 يونيو/حزيران 2026.

ولم تسلم قناة “رؤية” بدورها من هذه الحملة، إذ لاحقت السلطات مديرها باعتباره شريكا في ملف سعد بوعقبة، وحكمت عليه بالسجن سنة موقوفة التنفيذ مع غرامة، كما أغلقت القناة وصادرت معداتها، ما أدى عمليا إلى إسكات منبر إعلامي إضافي.

أما الصحفي مصطفى بن جامع، فتواصل السلطات مضايقته عبر سلسلة من القضايا والأحكام الموقوفة التنفيذ، فضلا عن منعه من السفر رغم رفع الحظر قضائيا، واعتقاله لفترة وجيزة في أبريل/نيسان 2026 بسبب تغطيته السابقة لحادث إطلاق نار نفذته الشرطة سنة 2020.

القضاء في الجزائر.. من سلطة عدالة إلى أداة لتأديب الصحافة

الخلاصة التي يفرضها هذا التقرير قاسية ومباشرة: الجزائر لا تواجه “أزمة تواصل” مع الصحافة، بل تمارس سياسة خنق ممنهجة ضد الإعلام المستقل. فحين تتحول الكتابة النقدية إلى “إرهاب”، والتدوينات إلى “تهديد للأمن القومي”، والمقابلات الصحفية إلى ذريعة للسجن والإغلاق والمصادرة، فإن الحديث عن حرية التعبير يصبح مجرد واجهة دعائية بائسة لا تصمد أمام الوقائع.

ما تكشفه منظمة العفو الدولية ليس فقط حجم الانتهاكات، بل أيضا عمق المأزق الذي يعيشه النظام الجزائري، العاجز عن تحمل صحافة حرة، والمرتبك أمام كل صوت مستقل، والمصر على إدارة المجال العام بالعصا القضائية والأمنية. إنها سلطة تخشى الكلمة أكثر مما تخشى الانهيار، ولهذا تواصل مطاردة الصحفيين بدل معالجة أسباب الغضب والاحتقان والتردي الذي ينهش البلاد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى